أورجازم
هل جربت أن تشعر أنك محاصر و أنه لا مهرب و أنك تتمنى أن تختفي من مكانك الحالي لتظهر في أي مكان آخر و السلام؟ هذا هو ما يحدث عندما تدخل هي المكان .. تشعر فجأة أن حركاتك أصبحت مفتعلة و أنت تداري ارتباكك الشديد بتلويحك بيديك أثناء الكلام أكثر من اللازم و في مواضع لا تستدعي التلويح باليد .. تشعل سيجارتك بأسلوب تعتقد أنت أنه أكثر احترافاً .. و تدرك فجأة أنها أعادتك في لحظة إلى المراهق الذي قد يفعل أي شيء ليجذب الانتباه إليه .. تفكر قليلاً.. تكتشف فجأة أن آخر ما تسعى إليه أنت هو جذب الانتباه .. إنك تحاول إذن أن تهرب من سطوة وجودها بمحاولتك إعطاء وجودك مساحة أكبر .. أنت لا تحب ان تشعر بهذا الحصار .. تقرر فجأة أنك لن تصمت هذه المرة .. قرار ! .. ستتجه من فورك إليها لتقل لها أي شيء .. فقط لتكسر حاجز الوهم بينكما و تقترب حدود جسدك من حدود جسدها أكثر قليلاً فتقترب من عيوبها بالتبعية .. ربما تبصر شعرة بيضاء في رأسها .. تكتشف أنها مصابة بحب الشباب مثلاً و أنك لم تلاحظ ذلك لأنك تراها من مسافة .. ربما تجد نبرة صوتها مزعجة .. المهم أنك تريد أن تقترب حتى تعيد إليها بعضاً من صفاتها الآدمية التي نزعتها أنت منها بدون وجه حق .. هي ليست شديدة الجمال .. و لكنها تمتلك هذه الهالة الرهيبة من التألق و الحيوية جعلاها جذابة جداً .. إنها سيجارتك الأخيرة قبل أن تتجه إليها .. يا الله .. يا من جعلني لماحاً إلى هذا الحد فألاحظ تلك التفاصيل الصغيرة التي أتعلق بها وطلب مني أن أتجاهلها .. يا من أعطاني هرمونات الذكورة و طلب مني أن أقاومها.. يا من جعلها بهذه الجاذبية و أمرني بغض البصر .. يا من وضع في صدري قلباً يضخ في عروقي تلك الدماء الحارة و جعلني أحبهن و أهيم بعالمهن عشقاً و طلب مني أن أتزوج واحدة لأعصم نفسي من الخطأ .. آسف .
إذا أردت أن تغني عالياً .. غن عالياً
و إذا أردت أن تكون حراً .. كن حراً
فهناك مليوناً من الطرق لتكن
و أنت تعرف ذلك.
واقفين إلي سور البحر كنا .. أحاول أن أوقف لها تاكسياً .. أتجنب النظر لها .. بينما هي لا تجد مانعاً في أن تختلس لي نظرة رمادية من آن لآخر .. ألمحها بطرف عيني و أتجاهل ذلك .. لا يوجد تاكسي لعين و أنا أكره لحظات النهاية الطويلة .. أكره النهايات بشكل عام طالما أنا لم أكتفي بعد .. و لكي تضفي على المشهد لمحة درامية لا بأس بها ، شرعت تغني أحد اغنياتي المفضلة .. (If you want to sing out ..Sing out) .. جاريتها لجملتين و لم أكمل .. فلقد توقف تاكسياً .. ركبت و هي دامعة .. سخيفة هي النهايات البطيئة عندما تدرك أنه ليس ثمة لقاء آخر .. و عندما تعلم أنك لم تقم بدورك كما ينبغي و تكتفي بتجميد ملامح وجهك على انفعال لا يعني أي شيء.
ينتهي حلمٌ ما قبل أن تعرف أنت أنه انتهى .. لا أدري ايهما أسوأ .. أن ترقب الأشياء و هي تذهب ، أم أن تذهب الأشياء بلا أدنى فرصة لتوديعها؟؟
------------------------
كيف امتلكت تلك القدرة الغريبة على أن تجعلك تشعر بكل تلك السكينة و الهدوء و الاكتفاء ـ ولو للحظة على الأقل ـ و متى كانت تلك اللحظة التي عندها كففت أنت عن الإصغاء لكلماتها و بدأت تعبث بكفيها باستغراق تام كأنك تراهما لأول مرة؟ .. أو هي أول مرة ترى بها كفي فتاة ، انفصلت عن واقعك تماماً .. كففت عن التدخين و الشرب فجأة .. و كفت هي عن الكلام كي لا تقاطع قدسية تلك اللحظة .. و لم يعد في عالمك الصغير سواك و كفيها .. كففت عن انتمائك لواقعك الخانق لتنتمي فجأة لكفيها فحسب .. تفعل بهما ما تشاء .. تعجبك راحتها فتميل عليها و تقبلها بعمق .. ترغب في تقبيل أناملها واحد تلو الآخر ، فتفعل بلا تردد .. لا تدري كم من الوقت انقضى و أنت في تلك البقعة السحرية .. لا تعلم متى التحمت أيديكما في تلك الرقصة الغجرية المحمومة .. و كيف احتملت خطوات تلك الرقصة كل هذه الرموز الأيروسية بلا ابتذال .. كل هذا و لم يغادر أحدكما مقعده ليقترب من الآخر أكثر.
عندما رفعت عينيك أخيرا ـ بعد أكثر من نصف ساعة ـ لتنظر إليها ، وجدتها تنظر لك بذهول من رأى الحقيقة كاملة و لم يفهم شيئاً ، دمعت عيناها .. ثم أخذت كفيك لتخبىء بهما وجهها المتورد ..... كان هذا هو اليوم قبل الأخير.
-------------------------
أراحت رأسها الأشقر على كتفي ، و احتضنت ذراعي الأيسر.. شعرتُ بالحرج من سائق التاكسي الذي لم يعترض .. شكرت له ذلك في سري .. لا أحد يستطيع أن يتخيل ما الذي استطاعت هي أن تعطيني بمنتهى البساطة و بلا تعقيدات و بلا طلبات في المقابل .. كم أتمنى لو أنني قابلت مصرية تستطيع أن تعطي بلا تعقيدات ولا عقد نفسية تظهر لاحقاً ، و بلا أن تظل طول حياتها متذكرة أنها أعطت .. أتمنى أن أجد من تعطي و تنسى .. تنسى فعلاً لا مجازاً .. الوحيدة التي وجدتها بتلك المواصفات غربية سترحل غداً .. هذه مشكلتي وحدي ، إنها تعطي دون أن تعرف أنها فعلت !! تلك هي عبقريتها .. أكثر ما أعجبني فيها أنها تعرف متى تصمت .. تلك موهبة ، أراحت رأسها الأشقر الجميل على كتفي .. لأشعر أنني امتلكت العالم .. و أنني أفقد كل شيء في نفس اللحظة .. أعرفها منذ أكثر من عام .. لا أتذكر كم مرة وجدتُ كلاماً أقوله و نحن معاً .. تجعلني أفضل الصمت .. و أرغب أن يتركني العالم و شأني لأتفرغ لها .. و في نفس الوقت لا أستطيع أن أدعي أنني أحبها بالمعنى الشائع للكلمة .. هي تعلم ذلك .. ولا مشكلة لديها...
نعم .. إنه سيكون صيفاً بارداً .. وحيداً ..
و لكنني أعدك بهذا ..
سأرسل لك كل حبي
في رسالة يومية
مختومة بقبلة
هكذا همست بكلمات الأغنية في أذني .. ثم أراحت رأسها من جديد على كتفي .. و مضى التاكسي في طريقه.